مجمع البحوث الاسلامية

44

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ففي المرحلة الأولى قد تأتي الألفاظ بصيغة الجمع لكي تنطبق على جميع الحالات . ولكن في مرحلة « التّنفيذ » قد تنحصر الحالة في فرد واحد ، وهذا لا يتنافى مع عموميّة المسألة . وبعبارة أخرى : كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بموجب اتّفاقه مع مسيحيّي نجران ، أن يدعو للمباهلة جميع أبنائه وخاصّة نسائه وجميع من كانوا بمثابة نفسه ، إلّا أنّ مصداق الاتّفاق لم ينطبق إلّا على ابنين وامرأة ورجل ، فتأمّل ! في القرآن مواضع متعدّدة ترد فيها العبارة بصيغة « الجمع » إلّا أنّ مصداقها لا ينطبق إلّا على فرد واحد ، فمثلا نقرأ : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ آل عمران : 173 ، المقصود من ( النّاس ) في هذه الآية هو « نعيم بن مسعود » حسب قول فريق من المفسّرين ، لأنّ هذا كان قد أخذ أموالا من أبي سفيان في مقابل إخافة المسلمين من قوّة المشركين . وأيضا نقرأ : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ آل عمران : 181 ، فهنا المقصود ب « الّذين » في هذه الآية ، على رأي كثير من المفسّرين ، هو « حييّ بن أخطب » أو « فنحاص » . وقد يطلق الجمع على المفرد للتّكريم ، كما جاء عن إبراهيم : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ النّحل : 120 ، فهنا أطلقت كلمة ( امّة ) وهي اسم جمع ، على مفرد . كما أنّ آية المباهلة تفيد بأنّ أبناء البنت يعتبرون أبناء أبيها أيضا ، بخلاف ما كان سائدا في الجاهليّة في اعتبار أبناء الابن فقط هم أبناء الجدّ ؛ إذ كانوا يقولون : بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد هذا اللّون من التّفكير كان من بقايا التّقاليد الجاهليّة الخاطئة الّتي لم تكن ترى المرأة عضوا من أعضاء المجتمع ، بل كانت تنظر إليها على أنّها وعاء لنموّ الأبناء فقط ، وترى أنّ النّسب يلحق بالآباء لا غير ، يقول شاعرهم : وإنّما أمّهات النّاس أوعية * مستودعات وللأنساب آباء غير أنّ الإسلام قضى على هذا اللّون من التّفكير ، وساوى بين أبناء الابن وأبناء البنت . نقرأ في الآية ( 84 و 85 ) من سورة الأنعام بشأن أبناء إبراهيم : مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ، فالمسيح عيسى بن مريم عدّ هنا من أبناء إبراهيم مع أنّه كان ابنا من جهة البنت . الأحاديث والرّوايات الواردة عن طريق الشّيعة والسّنّة بشأن الحسن والحسين عليهما السّلام تشير إلى كلّ منهما ب « ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله » كرارا . وفي الآيات الّتي تحرّم الزّواج ببعض النّساء نقرأ : وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ النّساء : 23 ، يتّفق علماء الإسلام على أنّ الرّجل يحرم عليه الزّواج من زوجة ابنه وزوجة حفيده سواء أكان من جهة الابن أم البنت ، باعتبار شمولهم بالآية المذكورة . لا شكّ أنّ هذه الآية ليست دعوة عامّة للمسلمين للمباهلة ، إذ أنّ الخطاب موجّه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله